محمد بن أحمد النهرواني
150
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
وما جهلت طعم العلا * ولكنها تورث العافية وقيل في ذلك أيضا : بقدر الصعود يكون الهبوط * فإياك والرتب العالية وكن في مقام إذا ما سقطت * تقوم ورجلاك في عافية وطالما رضيت الملوك والسلاطين بحال الفقراء والضعفاء والمساكين شعر : في كل بيت كربة ومصيبة * ولعل بيتك إن رأيت أقلها فارض بحال فقرك واشكر اللّه تعالى على خفة ظهرك ، ولا تتعد ، وقف على حدك تجد ذلك ؛ نعمة خفية ساقها اللّه تعالى إليك ، ورأفة ورحمة أفاضها اللّه تعالى من خزائن لطفه عليك . فاعتبر بهذه الكلمات ، وخذ لنفسك حظا وافرا من هذه العطايات . وذلك أن هارون الرشيد ، من أعقل الخلفاد العباسيين وأكلمهم رأيا وتدبيرا وفطنة وقوة واتساع مملكة ، وكثرة خزائن ، بحيث كان يقول للسحاب : امطرى حيث شئت ، فإن خراج الأرض التي تمطرى فيها يحيى إلى . ومع ذلك كان أتعبهم خاطرا ، وأسهر فكرا ، وأشغلهم قلبا ، وكان أولاده محمد الأمين من زبيدة بنت أبي جعفر القاسم . * تقسيم الرشيد مملكته ما بين ولده الأمين والمأمون ، وما وقع : وكانت زبيدة قد استولت على عقل الرشيد ، تتصرف فيه كيف أرادت ، وكان ولده منها - محمد الأمين - كثير الترف والدلال ، كثير اللهو واللعب ، ملعوبا على عقله ، لا يصلح للملك ولا يستحق الخلافة . وولده الثاني من جارية سوداء ، اسمها مراجل ، من جواري المطبح ، ماتت في نفاسها ، وهو عبد اللّه المأمون أتم عقلا وأكمل رأيا ، وأصح تدبيرا وأكثر فضلا ومعرفة ، فيه صلاح لتدبير الملك وأهلية لأن يصير خلفا عن أبيه في خلافته .